عز الدين بوركة

(باحث جمالي)

  • الفنان متعددا:

عمر سعدون واحد من الفنانين الذي ينتمون إلى الحساسية الجديدة، هؤلاء الفنانون الذين تندرج أعمالهم -في الغالب- داخل خانة البراديغم المعاصر اشتغالاً وبحثًا وخطابًا. إذ تختلف اهتماماته الفنية من تصوير صباغي وفن الفيديو والبرفورمانس (فن الأداء) والتجهيز وغيرها من التعابير الفنية المعاصرة.

ترتكز مجمل أعماله بين التصوير الصباغي المعاصر وفن الأداء وفن الفيديو، بينما تعدّ الدهشة منطلق هذا الفنان في اشتغاله الجمالي، إذ يختار موضوعات أعماله من فضاءاته اليومية ومن محيطه والمتابعات الإعلامية والسياسية والاجتماعية… ما يجعلها أعمالاً -نابعة من قوة تأنيسية- غنية بسؤال اليومي. فتغدو غالبًا، انتقادا للأوضاع الراهنة.

أعمال هذا الفنان المعاصر تعتمد على توظيف اللون المتعدد كأداة ترميزية تفتح أفاقًا تأويلية متعددة، ما يجعل العمل لديه « تجربة جمالية » باعتباره حاملاً للرموز. ومنه يغدو اللون عاملاً أساسيا داخل « حساسية العمل » ككل. هذه الحساسية التي تهرب إلى الدهشة الخالقة لنظام ترميزي، الذي يأتي باعتباره « الشكل الدال » la forme signifiante  في أعمال سعدون، من حيث أنه هو « الخاصية الجوهرية للعمل الفني » وهو تلك « الترتيبات والتضافرات التي تحرّك مشاعرنا بطريقة معينة ».

ينطلق الفنان سعدون من تجربته الجمالية والحياتية للاشتغال على أعماله الصباغية، التي تترك للون إمكانية التدفق والتداخل والصدفة، ما يشكل « اللامتوقع ».

  • دهشة الجماجم:

في اشتغاله الذي بدأه منذ فترة، انطلق عمر صوب عالم من الدهشة المتولدة عن تلك الصدمة التي يخلقها فعل « المشاهدة » للعمل في ذهنية المتلقي، الذي يجد نفسه أمام تصوير كروماتيكي لجماجم بشرية، عبر تدفق اللون المتعدد، في أصله الداكن، وتنقيطه وترقيعه. فالعمل هنا هو وليد اللون لا غير، باعتباره دالاً وجزءاً من نُظم الشكل الدال الذي يحضر باعتباره « الصفة الفريدة التي تشمل الفن البصري ». فتتجسد الصدمة /الدهشة في تداخل بين البهجة والمأساة وبين الموت والحياة.

يهتم كثيرًا عمر سعدون في أعماله التلوينية الأخيرة بالجُمجُمة، كصورة دلالية تتعدد حجومها وأبعادها وزوايا تصويرها الصباغي، فتتنوع دلالاتها ورمزياتها، لما تتيحه من إمكانية طرح أسئلة مأساوية يغذيها الفنان بالحقل التلويني المرح، كأننا أمام « انطباعية معاصرة »، تستمد أصالتها وأصولها من فن « فانيتي Vanité »؛ هذا الفن الذي ظهر في القرن السابع عشر بأوروبا، والذي يقدم الموت بشكل مجازي واستعاري allégorique. إذ يعمد الفنان لتوظيف الجمجمة داخل فضاء تصويري لمجموعة من الأغراض الطبيعية (الطبيعة الميتة)، في تداخل إيحائي بين الحياة والموت. وإن كانت أعمال عمر سعدون مستلهَمة من هذا الفن، فهو لا يعمد إلى جعلها واقعية صرفة، بقدر ما يجعلها عامرة برمزية اللون والتلوين، باحثة عن الدهشة.

  • الجسد موضع الموت:

في سلسلة من أعماله الصباغية التي اختار لها لوح الأطفال المدرسي سندًا للرسم، سيعمد عمر سعدون لتصوير مجموعة من الهياكل العظمية (شخوص)، مختارًا لها الشق النصفي العلوي للجسد. وذلك في تعدد للشخصيات من بهلوان وجندي وموظف وشخوص أخرى، في تمثيل للحالة الإنسانية المنكسرة والمنهزمة، التي تصيب الفرد في ظلّ ما يشهده العالم من أوضاع مأساوية، تجعله سائرا إلى حافة الانقراض. فالعالم باتت تسطو عليه تلك الأزمة العدمية (السالبة)، حسب تصور نيتشه، وذلك بسقوط القيم العامة التي أغرقت الإنسانية في غم العبث، بأن فرضت عليها اليقين المتشائم الذي لا قيمة لشيء معه.

وللتغلب عن هذا « الانحطاط » بات ضروريًا التفكير في « الإنسان المتسامي »، وذلك عبر الانتصار للجسد باعتباره الصورة الوجودية للإنسان، فالإنسان لا يوجد إلا باعتباره جسدًا. وذلك في ظل تجاوز سرديات الحداثة الكبرى إلى ما بعدها، كما ينظر إليه نيتشه وغيره. وهنا تسعى الفنون المعاصرة إلى الإعلاء من الجسد عبر مساءلته، كما هو الحال في أعمال الفنان المعاصر عمر سعدون، بوضعه الجسد موضع الموت، أو جعله أداة فنية استعراضية وأدائية وغرضًا فنيًا في الآن نفسه.