عمر سعدون تجربة إبداعية متورطة في الحياة

عماد الورداني

 

عمر سعدون حالة إبداعية متورطة في الحياة عبر أبعادها المختلفة، والحياة بالنسبة إليه لا تتمثل إلا في الصورة في علاقتها بفنون بصرية متنوعة، حيث بدأ مساره التشكيلي في سن مبكرة، ففي سن 18 سيشارك في معرض برواق السيدة الحرة بشفشاون ومنذ تلك اللحظة، سيربط عمر سعدون اسمه بالفن التشكيلي، حيث سيعمد إلى التخصص في هذا الفن ودراسته دراسة أكاديمية في مدرسة الفنون الجميلة، بغية مواصلة مشروعه الجمالي القائم على التحديث والتطوير من الداخل سواء عبر الاطلاع والتجريب والبحث والسؤال. وقد توج عمر سعدون مساره التشكيلي بلوحات تعكس عما يموج بداخله، إذ سيطوع أسلوبه ليجعله لصيقا به يحيل إليه مباشرة، وهذا الأسلوب يقوم أساسا على مبدأ التفجير، تفجير دوائر غير منظمة تتخذ ألوانا مختلفة وبتشكلات حرة ثائرة، إن هذا الدوائر المشتتة التي يشتغل عليها تحيل إلى دلالات مختلة، كالولادة والثورة والانفجار الأكبر، كما تحيل إلى الإنسان في علاقته الملتبسة بجسده وفكره. وإلى جانب الموضوع القابل للتأويل عبر قراءات احتمالية، ينحت عمر سعدون تجربته التشكيلية مستفيدا من اللون عبر تموجاته المختلفة والمتعرجة والتي تغطي فضاء اللوحة بأكمله، حيث نلامس هيمنة الألوان الساخنة والمتمركزة وسط اللوحة مع انسيابها خارج الوسط لتصل إلى الزوايا المشكلة للوحة، ونحن نتأمل لوحات عمر سعدون، وكأننا نسمع موسيقى تواجه عيوننا، أو وكأننا في حفل راقص عنيف يسعى إلى تخليص الذات من شرورها.

وإلى جانب التشكيل يشتغل عمر سعدون على فن حديث هو فن التركيب أو الأنسطالسيون، حيث سيدشن هذا المسار في سنة 2010 وهو مسار يحمل عنوانا دالا هو « لكل الأبطال »، وسيقدم تجربة نوعية، تقوم على مساءلة تاريخ الانتهاكات في المغرب، حيث لجأ سعدون إلى استخدام صورة لاصقة مثبتة على الجدار لمجوعة من الرايات ركبت بطريقة عمودية وأفقية، وتتخذ شكلا أسطوانيا، وفي الأرضية ثبت مجموعة من الشموع بعدد السنوات من الاستقلال إلى غاية 2010، وضعت فوق أرضية مصبوغة باللونين الأبيض والأحمر، والتي تمثل الصراع بين الموت والحياة في إحالة لمنعطف سنوات الرصاص، وهناك مرايا عملت على عكس ضوء الشموع الذي يدل على الامل في المستقبل، وفي منتصف المشهد تبرز عبارة حديدية ترمز إلى القوة والعنف، وتحيل مباشرة إلى الضحايا الذين سقطوا جراء مواقفهم وأحلامهم.

إلى جانب فن التركيب، يشتغل عمر سعدون على فن الأداء أو البورفورمانس، وتمثل الصورة مقطعا من معرض جماعي يحمل عنوانا دالا وهو أنا سأرحل I Dégage  وهو بمناسبة المهرجان الدولي لفن الأداء، وقد جاءت هذه التجربة بعد الحراك العربي، وعمر سعدون يسخر من طرق إسقاط النظام، ليقوم بخلق تمثل جمالي بصري يقوم على ضرورة إسقاط الديكتاتور الداخلي الذي يسكن في اللامفكر فيه العربي، حيث يبدو في الصورة أن عمر سعدون مغلف بغلاف بلاستيكي ويحمل ميكروفونا يدعو فيه ذاته إلى الرحيل، ورحيله بني على تفجير البلاستيك.

عمر سعدون يشتغل كذلك بفن الفيديو وفنون أخرى حديثة تقوم أساسا على التجريب والاتبكار. يبدو إذن أن هذا الفنان يستقي حياته من مجالات واهتمامات مختلفة، وبهذا يكون قد أعلن تورطه في الحياة دون رجعة.