الفن و الالتزام

 الناقد والتشكيلي: ابراهيم الحَيْسن

     تندرج التجربة التشكيلية للفنان عمر سعدون ضمن الفن التجريبي القائم على البحث المتواصل في الأسلوب والتقنية وتطويع السنائد والوسائط التعبيرية الحديثة وجعلها تستجيب لأفكاره ورؤاه المستوحاة من اليومي ومعاناة الناس.

     من ثم أمسى المشروع الجمالي للفنان يقوم بالأساس على التنويع والتعديد، بحيث يجمع بكثير من الإبداع بين التعبير الصباغي والتجهيز في الفراغ (الأنستليشن) وفن الفيديو الإنشائي بأنواعه التركيبية والتحسيسية والتجريدية.

     ففي مجال الصباغة  Peinture ، يقترح الفنان عمر سعدون قماشات مطبوعة بتواقيع لونية مفعمة بالحركة التي تمتد للفكر والجسد معاً. فهي مصاغة بخطوط رخوة منفلتة نحو اتجاهات عديدة، وأخرى منثالة ملتفَّة حول تكوينات متكوِّرة تحيل على تضاريس جسدية أنثوية يكثر فيها التموُّج والاستدارة، كالنهود والأرداف..إلخ.

     وبقدر ما هي قماشات، هي أيضاً فضاءات مرئية تتصادم فيها الأصباغ والتلاوين على إيقاع التبصيم السريع..تصادم ينتج عنه تشتُّت الألوان وتطايرها راسمة بذلك مساحات حرَّة، غير مؤطَّرة، تتبادل المواقع وتُعَبِّرُ عن المطلق واللانهائي..

     إضافة إلى ذلك، للفنان عمر سعدون إرساءات تشكيلية مفاهيمية Conceptuelles تستعير عناصرها من حُبِّه للوطن الذي يُريده حرّاً ومستقلاًّ وكبيراً يستجيب لطموحاته كفنان..وكثير من هذه الإرساءات الفنية ظهرت محملة برموز دالَّة، كالألوان الحمراء والخضراء والنجمة الخُماسية..إلخ.

     أما في مجال الفيديو، فيمكن القول بأن الفنان عمر سعدون استطاع في ظرف وجيز إنجاز أعمال فيديو عديدة أبرزت شحذ خياله ويقظة فكره الذي ينتصر لأفكاره ومواقفه والتزاماته الإنسانية النبيلة ضِدَّ الحرب والدَّمار والقتل العمد للأبرياء والعزل بمناطق عديد في العالم..

     في أعماله نقرأ لغة تعبيرية أخرى تشدُّنا أحياناً..وتُرعبنا أحياناً أخرى، حيث أصوات ونداءات الإغاثة والتحذير، وضجيج السيارات والانفجارات والاصطدامات القوية وكأننا نعيش مشهداً حيّاً من مشاهد المطاردة العشوائية والتفريق الهمجي للمسيرات الشعبية والمظاهرات الاحتجاجية السلمية داخل ساحاتنا العربية الثائرة ضِدَّ الغطرسة والجبروت والإستبداد..

     في أعماله أكثر من رسالة تنبذ الحرب وتدافع عن السلام وإشاعة ثقافة التسامح، وتنبِّهنا إلى عواقب التعصب والتطرف والانغلاق..في أعماله يحضر الفعل الجمالي كانفعال وجداني وكإدانة صريحة لمنح الحياة بُعدها ومعناها الحقيقيين..

     من حيث التكنيك، يصحُّ القول كون الخطاب الأيقوني داخل القطع الفنية التي ينجزها الفنان عمر سعدون لا يتمُّ بالصورة المألوفة، فهو يمنحه عمقاً غرافيكياً جديداً، سواء عبر تعزيزه بالتراكيب والتقسيمات المتعاودة التي يستعملها، أو عبر إكسائه بتخطيطات سريعة التنفيذ يصعب التقاطها خلال نظرة خاطفة، إلى جانب اعتماده على أسلوب الإنعكاس (الروفليت) وتأثيث الفضاء بمشاهد معمارية وخيالات بشرية متحرِّكة..

     أعمال هذا المعرض تعبيرات جمالية وشواهد مادية مفتوحة ومعروضة لكي يراها النَّاس، في قادرة، ولا شك، على تمنحهم الحق في الحلم والحياة..وهذا هو المهم..

الرباط: 21 يونيو 2011